إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
46
الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني )
فَمِنْ ( 1 ) هَذَا الْمَعْنَى سُمِّيَ الْعَمَلُ الَّذِي لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ فِي الشَّرْعِ بِدْعَةً ، وَهُوَ إِطْلَاقٌ أَخَصُّ ( 2 ) مِنْهُ فِي اللُّغَةِ حَسْبَمَا يُذْكَرُ بِحَوْلِ الله . فنقول ( 3 ) : ثَبَتَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ أَنَّ الْأَحْكَامَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِأَفْعَالِ الْعِبَادِ وَأَقْوَالِهِمْ ثَلَاثَةٌ : حُكْمٌ يَقْتَضِيهِ مَعْنَى الْأَمْرِ ، كَانَ لِلْإِيجَابِ أَوِ النَّدْبِ ( 4 ) ، وَحُكْمٌ يَقْتَضِيهِ مَعْنَى النَّهْيِ ، كَانَ لِلْكَرَاهَةِ أَوِ التَّحْرِيمِ ، وَحُكْمٌ يَقْتَضِيهِ مَعْنَى التَّخْيِيرِ ، وَهُوَ الْإِبَاحَةُ . فَأَفْعَالُ الْعِبَادِ وَأَقْوَالُهُمْ لَا تَعْدُو هَذِهِ الْأَقْسَامَ الثَّلَاثَةَ : مَطْلُوبٌ فِعْلُهُ ، وَمَطْلُوبٌ تَرْكُهُ ، وَمَأْذُونٌ فِي فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ . وَالْمَطْلُوبُ تَرْكُهُ لَمْ يُطْلَبْ تَرْكُهُ إِلَّا لِكَوْنِهِ مخالفاً للقسمين الآخرين ( 5 ) ، لَكِنَّهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يُطْلَبَ تَرْكُهُ ، وينهى عنه لكونه مخالفة خاصة ، مع تجرّد ( 6 ) النَّظَرِ عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ ، وَهُوَ إِنْ كَانَ محرماً سمّى فعله ( 7 ) مَعْصِيَةً وَإِثْمًا وَسُمِّيَ ( 8 ) فَاعِلُهُ عَاصِيًا وَآثِمًا ، وَإِلَّا لَمْ يُسَمَّ بِذَلِكَ ، وَدَخَلَ فِي حُكْمِ الْعَفْوِ حَسْبَمَا هُوَ مبيَّن فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ( 9 ) . وَلَا يُسَمَّى بِحَسَبِ الْفِعْلِ جَائِزًا وَلَا مُبَاحًا ، لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْجَوَازِ وَالنَّهْيِ جَمْعٌ بَيْنَ مُتَنَافِيَيْنِ ( 10 ) . وَالثَّانِي : أَنْ يُطْلَبَ تَرْكُهُ ، وَيُنْهَى عَنْهُ لكونه مخالفة تضاهي ( 11 ) التَّشْرِيعِ ، مِنْ جِهَةِ ضَرْبِ الْحُدُودِ ، وَتَعْيِينِ الْكَيْفِيَّاتِ ، وَالْتِزَامِ الْهَيْئَاتِ الْمُعَيَّنَةِ ، أَوِ الْأَزْمِنَةِ الْمُعَيَّنَةِ ، مَعَ الدَّوَامِ وَنَحْوِ ذَلِكَ . وَهَذَا هُوَ الِابْتِدَاعُ وَالْبِدْعَةُ ، ويسمّى فاعله مبتدعاً .
--> ( 1 ) ساقطة من ( ر ) . ( 2 ) في ( ت ) : " أخصر " . ( 3 ) ساقط من جميع النسخ عدا ( غ ) ، وفي ( ت ) : " فصل " ، والصواب المثبت . ( 4 ) في ( ت ) : " للندب " . ( 5 ) في ( خ ) و ( ط ) : " الأخيرين " . ( 6 ) في ( ط ) : " مجرد " . ( 7 ) في ( خ ) و ( ط ) : " فعلا " . ( 8 ) في ( ر ) : " سمي " . ( 9 ) يريد والله أعلم المكروه ، لأنه منهي عنه ، لكنه ليس كالمحرم ، فلا يسمّى فاعل المكروه عاصياً ولا آثماً ، ولا يسمى فعله معصية وإثماً . ( 10 ) في ( م ) : " متنافين " . ( 11 ) هكذا في ( غ ) و ( ر ) وهو الأصوب ، وفي بقية النسخ : " لظاهر " .